محمد بن محمد ابو شهبة

146

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

الإمداد ، وقالوا : إن الخطاب في قوله سبحانه : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ . . إنما هو حكاية لما أمر اللّه الملائكة أن يلقوه إلى المسلمين يوم بدر « 1 » . والذي نراه - واللّه أعلم - أن الإمداد بالملائكة حصل قطعا لتكثير العدد ، وتثبيت القلوب ، وإلقاء البشرى ، وأن بعضهم قاتل لا كلّهم ، وأن الجهد الأكبر في القتال إنما هو للمسلمين ، وبذلك لا نكون تعسّفنا في التأويل ، وخرجنا عن ظواهر بعض الآيات بغير داع ، ولا نرد الأحاديث الصحيحة الدالّة على حصول قتال من بعض الملائكة ، والحمد للّه الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه . وقد يقول قائل : إن صيحة من جبريل أو انتفاضة منه كانت تكفي للقضاء على قريش وإبادتها في لمحة عين ، فلم كل هؤلاء الملائكة ؟ . وجوابنا عن ذلك أن اللّه جرت سنته مع الأمة المحمدية ألايأخذها بما أخذ به الأمم السابقة من عموم العذاب والاستئصال ، وترك إهلاكهم للسنن العادية التي أجراها اللّه في عباده ، بدفع الكافرين بالمؤمنين ، والمبطلين بأهل الحق ، والظالمين بالعادلين ، فأراد اللّه سبحانه أن يكون هلاك الكفار بأيدي المؤمنين ، ليكون ذلك أنكى لقريش ، وأذلّ لها ، وأشفى لنفوس المؤمنين ، وفي الوقت ذاته أمدّهم بالملائكة تثبت وتؤيد ، وتبشّر وتخوف ، وتكثر العدد ، ولا حرج أن يشارك البعض في القتال كما ذكرنا ، وقد أشار الحق إلى هذه الحكمة في قوله : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ . وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ . إلى قوله : وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ « 2 » .

--> ( 1 ) البداية والنهاية ج 3 ص 279 - 281 . ( 2 ) سورة التوبة : الآيات 14 - 16 . انظر تفسير ابن كثير والبغوي .